تتجاوز ذكرى قادة شهداء حزب الله، الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي والحاج عماد مغنية، كونها مناسبة وجدانية أو محطة وفاء لرموز قيادية بسبب أدوارها في تحرير لبنان وحمايته، بل تمثّل في جوهرها استعادة لمسار تاريخي متكامل بدأ في ظروف اختلال استراتيجي حادّ، وتدرّج عبر محطات صدامية مفصلية، وصولاً إلى إرساء تحوّل بنيوي في معادلات الدفاع في لبنان والمنطقة. وهو تحوّل لم يبقَ في إطار التنظير أو الخطاب، بل تجسّد بإنجازات ميدانية واستراتيجية حرّرت الأرض، ومهّدت لاستعادة الدولة سيادتها، وقدّمت دليلاً ملموساً على وجود بديل فعّال من الخضوع لإرادة العدو.
ومن هنا، فإن أي نقاشٍ جدي حول حاضر لبنان ومستقبله لا يمكن عزله عن هذا المسار؛ لا باعتباره سرديّة حزبية أو مادةً سجالية، بل بوصفه تجسيداً لخيارٍ استراتيجي (خيار المقاومة) بدّل وقائع ميدانية، وأعاد صياغة توازناتٍ كانت تبدو راسخة أو مغلقة.
لحظة الاختلال
في مطلع الثمانينيات، بدا المشهد اللبناني محكوماً بمنطق «لا بديل». كان الاحتلال الإسرائيلي يتمدّد في معظم الأراضي اللبنانية، ويميل ميزان القوى الإقليمي بوضوح لمصلحة إسرائيل المدعومة أميركياً، فيما الدولة اللبنانية منهكة ومنقسمة، وقد وُلدت سلطاتها آنذاك في ظل وقائع فرضها الاجتياح الإسرائيلي. لم يكن السؤال يومها تقنياً حول أدوات المواجهة، بل وجودياً: هل يُسلَّم بالاحتلال كقدرٍ واقع، ويتم الرضوخ لإملاءاته السياسية والأمنية (اتفاق 17 أيار)، أم يُبنى خيار آخر خارج المعادلة التقليدية للدول والجيوش النظامية؟
في هذا السياق، انطلقت المقاومة في لبنان، وممن برزوا مبكراً بمستوى فعال ولافت الشيخ راغب حرب كقائد وصوت يؤسّس لشرعية مقاومة شعبية منظمة. لذا لم يكن اغتياله عام 1984 حادثاً أمنياً معزولاً، بل تعبيراً عن إدراك إسرائيلي مبكر للمأزق الذي بدأ يتشكّل مع تصاعد العمل المقاوم في الجنوب.
وقد عكس كلام مئير داغان، الذي تولّى قيادة منطقة الجنوب بين عامَي 1982 و1984 قبل أن يرأس لاحقاً جهاز الموساد (2002–2011)، حجم القلق من دوره، إلى جانب علماء دين آخرين منخرطين في المقاومة، ومن قدرتهم، بحسب توصيفه، على الجمع بين الانتماء الديني والهوية الوطنية في مواجهة الاحتلال. ولذلك، كان الاستهداف محاولة لقطع لحظة التأسيس قبل أن تتحوّل إلى ظاهرة متجذّرة. غير أنّ النتيجة جاءت معاكسة؛ إذ ترسّخت القناعة بأن المواجهة لم تعد ردّ فعل عابراً، بل أصبحت خياراً استراتيجياً قابلاً للتراكم.
وخلال سنوات قليلة على الاجتياح، تبدّلت الوقائع. انسحبت القوات المتعددة الجنسيات، وتراجعت إسرائيل تدريجياً إلى ما عُرف بـ«الحزام الأمني». ولم يكن التحوّل عسكرياً فحسب، بل مسّ البنية المفاهيمية للصراع أيضاً. فقد سقطت عملياً فرضية أنّ الاحتلال قدرٌ لا يُواجَه إلا بتسوية سياسية غير متكافئة. وأثبتت التجربة، رغم حجم التضحيات، أنّ الإرادة المنظّمة قادرة على إنتاج مسار بديل، حتى في ظل تفوّق عسكري ساحق للطرف المقابل.
الاغتيال كأداة ردع
اتّسمت المرحلة الثانية بمحاولة إسرائيل نقل المعركة إلى مستوى كسر قيادة الصفّ الأوّل، وشكّل اغتيال السيّد عباس الموسوي عام 1992 ذروة هذا الرهان. فقد أرادت إسرئيل تثبيت معادلة مفادها أنّ رأس الهرم ليس محصّناً، وأن الردع يمكن فرضه عبر تصفية القيادة السياسية والعسكرية.
غير أنّ الردّ الصاروخي الذي تلى العملية دشّن معادلة مغايرة: استهداف القيادة سيُقابله توسيع دائرة النار إلى ما يتجاوز حسابات العدو. وقد أقرّ رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية آنذاك، أوري ساغي، بأن تقدير حجم ردّ حزب الله كان قاصراً، وأن قرار الاغتيال كان سيُعاد النظر فيه لو عُرفت مسبقاً قدرة المقاومة على التصعيد.
استحضار التاريخ شرط لفهم الخيارات المطروحة اليوم والتجربة تظهر أنّ البدائل لا تُولد من التسليم بالمعادلات المفروضة بل من كسرها
هنا بدأت تتبلور بذور معادلة ردع عملياتي متدرّج، تراكم أدواتها وتختبر حدودها. وجاء عدوانا 1993 («تصفية الحساب») و1996 («عناقيد الغضب») في سياق محاولة كسر البيئة الحاضنة عبر الضغط على المدنيين في الجنوب. إلا أنّ استمرار المقاومة في قصف شمال فلسطين المحتلة، إلى جانب الغطاء السوري آنذاك، أفضى إلى تفاهمات غير مكتوبة قيّدت حرية إسرائيل في استباحة الداخل اللبناني بلا كلفة. وكان ذلك تمهيداً لمسار استنزافي متواصل انتهى بتحرير عام 2000، في أول انسحاب إسرائيلي من أرض محتلة تحت ضغط مقاومة منظّمة ومن دون اتفاق سياسي أو ضمانات أمنية، وهو حدث أعاد صياغة النقاش الإقليمي حول جدوى المقاومة كخيار استراتيجي.
من التحرير إلى الردع الاستراتيجي
مثّلت حرب تموز 2006 اختباراً شاملاً لهذا المسار. كان الهدف الإسرائيلي المعلن إنهاء حزب الله عسكرياً وسياسياً، غير أنّ الحرب انتهت بانتقال الصراع إلى مستوى ردع أكثر تعقيداً، قائم على توازن رعب متبادل يطال العمقين. وبدل أن تؤدي المواجهة إلى إضعاف الحزب، تحوّلت إلى محطة كرّست حضوره قوةً وازنة في المعادلة الإقليمية.
وفي اغتيال عماد مغنية عام 2008، تجمّعت رهانات أميركية وإسرائيلية على ضرب العصب العملياتي ومسار تعاظم القدرات النوعية. إلا أنّ التجربة أظهرت أنّ البنية التنظيمية التي تبلورت عبر عقود لم تكن قائمة على فرد، مهما علا موقعه. وخلال تلك المراحل، برز دور السيد حسن نصر الله في قيادة الحزب نحو تطوير قدراته وتحوله إلى قوة إقليمية ذات حضور مؤسساتي، شكّلت ضمانة لحاضر لبنان ومستقبله في مواجهة الاحتلال.
ومع تولّي الشيخ نعيم قاسم الأمانة العامة في مرحلة مفصلية في لبنان والمنطقة، يتأكد مجدداً أن المشروع يتجاوز شخصنة القيادة، وأن الاستمرارية التنظيمية تمثل أحد عناصر قوته، ولا سيما في مرحلة تُعدّ من الأصعب في تاريخ لبنان والمنطقة.
الذاكرة كشرط للخيارات
قراءة هذا المسار منذ الثمانينيات حتى اليوم تكشف أن ما تحقق لم يكن حتمياً، ولا نتيجة ظرف عابر، بل حصيلة تفاعل إرادات وقدرات في بيئة كانت مغلقة الأفق في بداياتها. لذلك، فإن استحضار هذا التاريخ ليس ترفاً، بل شرط لفهم الخيارات المطروحة اليوم. التجربة تظهر أنّ البدائل لا تُولد من التسليم بالمعادلات المفروضة، بل من كسرها وتجاوزها، وأن الدفاع عن الوطن والتحرير ليس شعاراً بل نتاج تراكم طويل من الفعل والصمود والتضحيات.
وتكمن أهمية هذا الفهم في كونه يأتي في مواجهة اتجاهين، الأول يسعى إلى طمس التجربة عبر اختزالها في كلفتها الآنية أو تصويرها كمغامرة عبثية، متجاهلاً التحولات التي أحدثتها في موازين القوى؛ والثاني يحصر النقاش في اللحظة الراهنة، مفصولاً عن سياقه التاريخي، بما يعطّل التفكير الاستراتيجي الطويل الأمد. وكلا الاتجاهين يفضيان عملياً إلى تفريغ الحاضر من معناه، إما بإنكار الماضي، أو بتجاهل مؤشرات المستقبل.
وبين محاولات محو الذاكرة وتغييب الرؤية، يبقى الرهان على وعيٍ يصل الأزمنة الثلاثة: يستحضر الماضي بوصفه دليلاً على إمكان الفعل، ويقرأ الحاضر بعيون استراتيجية، ويفتح المستقبل على احتمالات لا تختزل لبنان في هامش الجغرافيا أو في شروط الآخرين. هكذا تتحول ذكرى القادة الشهداء من مناسبة سنوية إلى بوصلة سياسية، ومن سردية مقاومة إلى إطار تحليلي لفهم صراع لم تُقفل صفحاته بعد.